الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
( كذا ) مفتوح للتّوبة لا يغلق حتّى تطلع الشّمس من مغربها » ، قال التّرمذي : حديث صحيح . واعلم أنّ هذه الآية لا تعارض آية سورة النّساء [ 18 ] : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ : لأنّ محمل تلك الآية على تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة للأحوال الخاصّة بآحاد النّاس ، وذلك ما فسّر في حديث ابن عمر : أنّ رسول اللّه صلى اللّه وعليه وسلّم قال : « إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » رواه التّرمذي ، وابن ماجة ، وأحمد . ( ومعنى يغرغر أن تبلغ روحه - أي أنفاسه - رأس حلقه ) . ومحمل الآية التي نتكلّم فيها تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة إلى النّاس كافة ، وهي حالة يأس النّاس كلّهم من البقاء . وجاء الاستئناف بقوله : قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ أمرا للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن يهدّدهم ويتوعّدهم على الانتظار ، إن كان واقعا منهم ، أو على التريّث والتّأخّر عن الدّخول في الإسلام الذي هو شبيه بالانتظار إن كان الانتظار ادّعائيا ، بأن يأمرهم بالدّوام على حالهم التي عبّر عنها بالانتظار أمر تهديد ، ويخبرهم بأنّ المسلمين ينتظرون نصر اللّه ونزول العقاب بأعدائهم ، أي : دوموا على انتظاركم فنحن منتظرون . وفي مفهوم الصّفتين دلالة على أنّ النّفس التي آمنت قبل مجيء الحساب ، وكسبت في إيمانها خيرا ، ينفعها إيمانها وعملها . فاشتملت الآية بمنطوقها ومفهومها على وعيد ووعد مجملين تبيّنهما دلائل الكتاب والسنّة . [ 159 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 159 ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 ) استئناف جاء عقب الوعيد كالنّتيجة والفذلكة ، لأنّ اللّه لما قال لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم : قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [ الأنعام : 158 ] أعقب ذلك بأنّ الفريقين متباينان متجافيان في مدّة الانتظار . وجيء بالموصوليّة لتعريف المسند إليه لإفادة تحقّق معنى الصّلة فيهم ، لأنّها تناسب التّنفير من الاتّصال بهم ، لأنّ شأن الدّين أن يكون عقيدة واحدة وأعمالا واحدة ، والتّفرّق في أصوله ينافي وحدته ، ولذلك لم يزل علماء الإسلام يبذلون وسعهم لاستنباط مراد اللّه من الأمّة ، ويعلمون أنّ الحقّ واحد وأنّ اللّه كلّف العلماء بإصابته وجعل للمصيب أجرين